شهدت السنوات الأخيرة، وما تزال، نقاشا صاخبا، ثريا متنوعاً، حول موضوع «المجتمع المدني» والإشكاليات المرتبطة به، ونظراً لأن النقاش الدائر حول «المجتمع المدني» لم يظل أكاديميا صرفا، بل اتخذ طبيعة السياسة العملية الملموسة، فإنه يمكن القول إذن، إن مصطلح «المجتمع المدني» يصبح شعارا تعبويا لمختلف القوى والفئات الاجتماعية الساعية إلى إجراء تحويلات عميقة في مختلف مستويات التشكيل الاجتماعي في العديد من البلدان. ولكن بالرغم من أهمية هذه الإشكالية فقد ظل النقاش حولها، في العديد من المجالات، نقاشا مجردا وعموميا، وظلت بعض القضايا المرتبطة بمفهوم المجتمع المدني موقع دراسة أدرجها الدكتور ياسر صالح  برأيه أنها تظل غامضة وتتطلب معالجة متأنية وحصيفة.
عندما نشأ مجتمع المواطنين في المدينة الحرة، كما نشأت الأرستقراطية الإقطاعية، وعندما تميزت الدولة كهدف قائم بذاته، كملكية مطلقة، وجدت أمامها (أو وراءها وهذا ليس مهما لغرضنا) كياناً يسمى المجتمع، والعلاقة بين الدولة وبين هذا الكيان، وبينهما وبين المواطن، ستصبح فيما بعد قضية الفكر السياسي والنظرية السياسية، ولكي تكون هنالك نظرية، يجب أن توجد متغيرات بالإمكان تثبيتها كمجردات منفصل بعضها عن بعض، لكي تبحث النظرية في قوانين العلاقة بينها، ولتبسيط مفهوم النظرية للقارئ الكريم هي محاولة للاستدلال لاستقصاء المعرفة وراء حاجز الحواس، هي تصور تجريدي لا وصفي ظاهر للعيان.
دخلت فكرة المجتمع المدني إلى الفلسفة السياسية كتعبير عن وجود علاقة بين قطبين هما المجتمع والسياسة، وذلك من خلال الصراع داخل فكرة الحق الطبيعي، وبعدها فكرة العقد الاجتماعي، التي بنيت على الأولى، وفي اللحظة النظرية التي جعلت فيها الدولة تقوم على العقد، بدأت مرحلة نظرية نهايتها اعتبار المجتمع سابقاً على الدولة، وقادرًا على تنظيم نفسه خارج الدولة، ومصدر شرعية الدولة ورقيبها.
إن الشرط التاريخي الضروري للبدء ببلورة فكرة المجتمع المدني كعلاقة بين مواطن، ومجتمع، ودولة، هو تميز المجتمع من الدولة. وكما أن المجتمع المدني لا ينشأ إلا بتميز المجتمع من الدولة، فإن الدولة كتجريد قائم بذاته من غير مجتمع، لا تنشأ إلا بنشوء المجتمع، الدولة هي الأخرى وليدة الحداثة، وفي الحداثة أيضاً يصل تطابقها مع مفهومها إلى ذروته، الدولة هي مبنى إداري وقانوني يقوم عليه عمل منظم لطاقم إداري يتَّبع في عمله إجراءاتٍ وأنظمة، ولهذا النظام في الإدارة والقوانين سلطة على مواطنين (رعايا) وعلى أرض محددة بحدود.
 تاريخ المجتمع المدني ليس إذاً تاريخ المنظمات والمؤسسات الأهلية، وإنما التشديد على دور هذه المؤسسات هو من ميزات إحدى المراحل في تاريخه.